السيد حيدر الآملي
77
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
ثمّ ضمّ البرودة إلى الرّطوبة فكان الماء البسيط وأظهر حكمه في ثلاثة أمكنة من الفلك الأقصى ، سمّي المكان الواحد السرطان ، وسمّي الآخر بالعقرب ، وسمّي الثّالث بالحوت ، فهذا تقسم فلك البروج على اثنى عشر قسما مفروضة تعيّنها الكواكب الثّمانية والعشرون ، وذلك بتقدير العزيز العليم . فلمّا أحكم صنعتها وترتيبها وأدارها ، فظهر الوجود مرتوقا فأراد الحقّ فتقه ففصل بين السّماء والأرض ، كما قال تعالى : كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما [ سورة الأنبياء : 30 ] . أي ميّز بعضها عن بعض ، فأخذت السّماء علوا دخانا فحدث فيما بين السّماء والأرض ، ركنان من المركبات : الرّكن الواحد الماء المركّب ممّا يلي الأرض ، لأنّه بارد رطب فلم يكن له قوّة الصعود ، فبقى على الأرض تمسكه بما فيها من اليبوسة عليها . والآخر النّار وهي أكرة الأثير ممّا يلي السّماء لأنّه حار يابس فلم يكن له طبع النّزول إلى الأرض فبقي ممّا يلي السّماء من أجل حرارته ، واليبوسة تمسكه هناك . وحدث ما بين النّار والماء ركن الهواء من حرارة النّار ورطوبة الماء فلا يستطيع أن يلحق بالنّار ، فانّ ثقل الرّطوبة يمنعه أن يكون بحيث النّار وان طلبت الرّطوبة تنزله إلى أن يكون بحيث ( الماء ) تمنعه الحرارة من النّزول فلمّا تمانعا لم يبق إلَّا أن يكون بين الماء والنّار ، لأنّهما يتجاذبانه على السّواء ، فذلك المسمّى هواء ، فقد بان لك مراتب العناصر وماهيّتها ، ومن أين ظهرت وأصل الطبيعة . ( إنشاء اللَّه تعالى الإنسان من حيث الجسم ) ولمّا دارت الأفلاك ومخضت الأركان بما حملته ممّا ألقت فيها في هذا النكاح المعنوي ، وظهرت المولَّدات من كلّ ركن بحسب ما تقتضيه حقيقة ذلك الرّكن فظهرت أمم العالم وظهرت الحركة المنكوسة ( والحركة ) الأفقيّة ، فلمّا انتهى الحكم إلى السّنبلة ظهرت النشأة الإنسانيّة بتقدير العزيز العليم ، فأنشأ اللَّه عزّ وجلّ الإنسان من حيث جسمه خلقا سويّا وأعطاه الحركة المستقيمة ، وجعل اللَّه لها من الولاية في العالم